طباعة

سيرة حياة القديس العظيم في الشهداء جيورجيوس اللابس الظفر

إن مدرستنا الرومية الأُرثوذكسية في مدينة رام الله تحمل اسم "سانت جورج" أي "القديس جيورجيوس"، الذي شاع إكرامه جداً في فلسطين ومنطقة الشرق بشكل عام، فلا تكاد مدينة تخلو من كنيسة له أو أقلُّها تحمل على بيوتها ومبانيها أيقونته طالبةً حمايته وشفاعته، للقديس جيورجيوس محبة شعبية عظيمة بين الناس لما في سيرة حياته من الفائدة الروحية والشجاعة وقوة الإيمان والصبر والإحتمال من أجل حب معرفة الحق وإظهاره للآخرين، ولذلك تتخذه مدرستنا شفيعاً لها يعينها على إظهار الحق وتعليمه لطلابها. ونورد هنا مقتطفات من سيرة حياة القديس وعجائبه التي لا تنتهي. صلواته وشفاعته تكون مع جميعنا، آمين.

 

سيرة حياة القديس العظيم في الشهداء جيورجيوس اللابس الظفر

 

بما أنك للمأسورين محررٌ ومعتقٌ، وللفقراء والمساكين عاضدٌ وناصرٌ، وللمرضى طبيبٌ وشافٍ، وعن الملوك مكافحٌ ومحاربٌ، أيها العظيم في الشهداء جيورجيوس اللابس الظفر، تشفَّع إلى المسيح الإله في خلاص نفوسنا.

مولده ونشأته

ولد القديس جيورجيوس عام ٢٧٥م من والدين مسيحيين. كان والده من مقاطعة كبادوكية في آسيا الصغرى، أما والدته فمن اللد (ذيوسبولِس) بفلسطين. وقد كان جيورجيوس صغير السن عندما استشهد والده في سبيل المسيح. فتركت أمه وطن زوجها وإلتجأت مع إبنها إلى وطنها الأصلي اللد.

وعندما بلغ القديس الثامنة عشرة من عمره عزم على السفر إلى نيقوميذية (حالياً تدعى مدينة إزميت في تركيا) عاصمة الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية ليلتحق بالجيش. وكان وداع الأم لإبنها الوحيد مؤثراً ومحزناً، عجزت دموعها عن تهدئة ما يجيش بنفسها من الأسى ولوعة الفراق. كانا مؤمنين بالله إيماناً قويا ثابتاً، والله يسمح بالأحزان للمؤمنين فهو يُجرِّب خائفيه. ألم ينل زوجها إكليل الإستشهاد وتركها ارملة مع وحيدها جيورجيوس؟! وإن كان إيمان الأم حاراً إلا أنها لم تكن تريد ان يشرب إبنها كأس الإستشهاد. فأوعزت إليه ان يكون حكيماً فلا يثير بنفسه امر ملاحقته من قِبل اعداء المسيح. لقد فقدت زوجها وسوف يكون الكاس أشد مرارة غذا فقدت إبنها. لكنها اوصته انه ينبغي عليه أن يسير على نهج ابيه حين يضطر للدفاع عن إيمانه واعترافه بالمسيح. ألم يكن المسيح مثالنا في الحكمة وتجنب الخطر ولم يقبل ان يسلّم نفسه لأعدائه إلا حينما اتت الساعة؟! ووعد الإبن والدته بتنفيذ وصيتها والعمل بأقوالها.

كانت والدته تعيش بروحها قريبة منه. فكانت تصلي دائما لأجله. كانت تصلي من أجل صحته وتوفيقه وحياته ونقاوته. وتطلب من الله الذي كانت تسلِّم أمورها لمشيئته أن يعيده إليها سالماً معافى.

في الجيش

إلتحق القديس جيورجيوس كجندي بسيط في الجيش الإمبراطوري في مدينة نيقوميذية، واعجب الكثيرين من قوّاده بسبب جمال طلعته ورباطة جأشه. ووجدوا فيه العلم الكافي والذكاء والحكمة وحسن الإدارة، و الجرأة والمهارة والشجاعة النادرة. و توصل في وقت قصير إلى مركز اعلى في الجيش ونال أوسمة رفيعة وعيّن في الحرس الإمبراطوري ونال في النهاية لقب "كونت" ورفعه الإمبراطور ذيوكليتيانوس إلى أعلى درجات القيادة في الحرس الإمبراطوري بعد الشجاعة الفائقة التي أظهرها في الحرب ضد الفرس.

الإضطهادات في عهد ذيوكليتيانوس

في سنة ۳۰۳م أوعز غالاريوس عدوّ المسيحين إلى ذيوكليتيانوس الإمبراطور فأصدر هذا امراً باضطهاد المسيحين. وكان القديس جيورجيوس قد بلغ الثامنة والعشرين من عمره. وكان الأمر يتضمن تدمير الكنائس وتجريد المسيحيين من كافة حقوقهم المدنية والسياسية. إلّا أن هذا الأمر لم يُفزع المسيحيين. وفي نهاية عام ۳۰٥م أصد الإمبراطور ثلاثة أخرى تشمل العقوبات التالية: النفي والعذاب العنيف والموت.

وفاة والدته

وأثناء إصدار الأمر الإمبراطوري الأول، تلقى القديس جيورجيوس نبأ وفاة والدته. فحزن لذلك وبكى، وصلّى من اجل روحها الطاهرة. وحصل على مأذونية من رؤسائه إذ كانت الإمبراطورية في ذلك الحين بسلام وذهب إلى مدينة اللد. وهناك باع املاك والدته التي ورثها وأعطى قسما كبيرا منها لصندوق الكنيسة لكي يوزّع في اعمال البر والإحسان. وعاد إلى نيقوميذية حيث وزّع ما بقي من الدراهم على الأرامل واليتامى الذين كان عددهم كبيراً في تلك الايام بسبب الإضطهادات الوحشية.

جهادات القديس جيورجيوس وعجائبه

ذهب القديس جيورجيوس بعد ذلك إلى القائد الاعلى للحرس الإمبراطوري وأعلن له أنه مسيحي وانه يطالب بتنفيذ الأوامر الملكية المتعلّقة بالمسيحية عليه. وسبّب تصريح القديس دهشة وأسفاً. ورجاه قائده أن لا يصرّ على تصريحه هذا. أما هو فقد ألحّ راجياً تطبيق ما تنص عليه الاوامر بسرعة. ونظراً للمكانة الأخلاقية التي يحتلها القديس جيورجيوس في الحرس الإمبراطوري فإن تصريحه رُفع مباشرة إلى الحاكم غالاريوس وإلى الإمبراطور ذيوكليتيانوس.

وجرت محاولة لإقناع القديس يالرجوع عن تصريحه وقالوا له بأنهم سيكتفون برجوعه دون أن يجبروه على تقديم الذبائح لآلهة الوثنيين. إلا ان القديس رفض هذه التسوية وكرّر إعترافه بجرأة وشجاعة.

وبدأت تعذيبات رجال الإمبراطور للقديس، لقد ربطوه إلى عمود من الخشب وألهبوا جسده بالسياط. وكان يقول "أشكرك ياربي وإلهي لأنك تهيّئني لأستحق خيراتك". وأوثقوه بعدها ألقوا به في السجن. وهناك مدّدوه على ظهره أثقلوا صدره بحجر رحى ثقيل الوزن. وشكر إلهه مرة ثانية وسأله المساعدة ليحافظ على قلبه ثانية كي لايتزعزع تحت نير التجربة التي يعانيها. بعد ذلك صدر أمر بوضعه تحت عذابات العجلة وكان التعذيب مخيفاً. فقد كان السجين يوثق بدولاب يمر على سكاكين حادة تشرّح جسده عندما يدور. دار الدولاب وكانت السكاكين تعمل قَطعاً وتمزيقاً بلحم القديس والدماء النقية تسيل من جروحاته بغزارة. وكان القديس يصلّي "أَرفعُ وأُبارك إسمك يا ملكي وإلهي إلى الأبد، أسبّح إلهي المفرح شبابي دائماً، ويرعى ملاك الرب خائفيه وينجّيهم".

وبينما كانت هذه الغمامة المخيفة والعجيبة تمر كان ذيوكليتيانوس يفتش مع جلّاديه عن طريقة يحكمون بها بالموت على القديس. وذهبوا إلى معيد الأوثان ليقدموا الضحايا لألهتهم فيستلهمونهم بالأمر ولدى وصولهم ظهر أمامهم فجأة القديس جيورجيوس قوياً شجاعاً ثابت العزيمة. فماذا حدث؟ لقد أراد يسوع أن يتدخّل ويجترح العجائب العديدة ويفقأ عين كبرياء الإمبراطورية ويجذب إليه نفوساً وثنية تستحق الرحمة والشفقة. فكان أن حلّ ملاك الرب قيود القديس من العجلة وشفى جروحاته تماماً. وكانت مفاجأة مذهلة للإمبراطور. كيف إستطاع جيورجيوس أن يتخلص من وثاقه بالعجلة وخرج من بين جنودٍ عديدين وظهر بكامل قواه وصحّته، في الوقت الذي كان يعتبره جثة لا حراك فيها. لقد إعتبر الإمبراطور وحاشيته لأول وهلة أن عيونهم تخونهم وما كان ذاك إلا حقيقة. لقد شاهد ذيوكليتيانوس العجيبة أمامه ولكنّه لم يستطع أن يفهمها. وماذا كان يمنعه عن ذلك؟ تعصبه للوثنية بلا شك. بعد ذلك أراد أن يصدر أمرا جديدا بإلقاء القبض على الشهيد العظيم وقتله تماما. ولكنه قبل أن ينفذ هذا الأمر حدث ما أحزن الإمبراطور وأغضبه.

إثنان من قوّاده البارزين، أناطوليوس وبروتوليوس، رجلان صالحان وفاضلان وصاحبا ضمير حي يفتش عن الحقيقة ويتشوق إلى النور. سمعا إلى وقت قصير عن الإيمان المسيحي ويران الآن أمامهما عجيبة ملموسة في شخص أحد معتنقيها البارزين. فتقدما إلى الإمبراطور ونزعا سيفاهما وجعبتاهما أعلنا أنهما يعترفان بيسوع المسيح. وعندما لامهما الإمبراطور على جحودهما سارعا ليؤكدا أنهما سيتابعان ولاءهما وطاعتهما له لأن التمسك بالوثنية لا علاقة له بواجبهما تجاه الملك والإمبراطورية، وأنهما يتقدمان ليخدما دون رُتب واستحقاقات إلا أنهما لا يحيدان عن إيمانهما غير المتزعزع بالمسيح إله الحقيقة والمحبة.

وقبل أن يعطي ذيوكلتيانوس أمره بإعدامهما أدهشته تصريحات عديدة وأشعلت جنونه. إن مثال القائدَين لم يبق عديم النفع بل اعلن ضباط آخرون اعترافهم وإيمانهم بالمسيح. وجاء أناس كثيرون من المكان الذي كان فيه يتعذب الشهيد العظيم جيورجيوس تحت تأثير العجلة، يؤكدون أن عدداً ليس قليلاً من الجنود والشعب قد أدهشهم الحدث العجيب وأخذوا يعلنون انهم مسيحيون. ولقد أمر غالاريوس بإلقاء القبض عليهم جميعا وإعدامهم. فقبلوا وتقدموا إلى الإستشهاد دون جزع ممتلئين من الفرح. ماتوا شجعاناً وظلّوا حتى نفَسهم الأخير يجاهرون بإيمانهم ويمدحون يسوع المسيح الذي سُفك دمه من أجل خلاص البشر.

إلا أن غضب ذيوكلتيانوس الشديد كان قد إنصبّ على جيورجيوس فاعتبره سبب كل ما جرى للإمبراطور من المرارة والفضيحة. كان يجب أن يموت. لكن ذيوكلتيانوس بالرغم من عدم إيمانه بالمسيح لم يكن باستطاعته أن ينفي الحقيقة وهي أنه باسم إله المسيحيين تُجترح العجائب. بدأ إذاً يخاف ويرتعد فربما يفلت جيورجيوس المسيحي من قبضة الموت هذه المرّة. لذلك إستشار المقربين إليه حول الإجراء الواجب القيام به ليقضي عليه. فاشاروا عليه أن يشعلوا ناراً حامية داخل حفرة عميقة ويلقوا الشهيد العجيب فيها. فتم تنفيذ ذلك. وبعد مدة قصيرة ظن الإمبراطور انه قضى على الشهيد وأرسل جنوده ليفرغوا الحفرة وينتشلوا جثة الشهيد أو بقاياه. وفكر أيضاً أن يقيم إحتفالاً الأمر الذي يخيف المسيحيين ويفرح الوثنيين. جاء الجنود وفقاً لأمر إمبراطورهم وبدأوا بتفريغ الحفرة وعملية الإنتشال، وأثناء ذلك بهتوا فجأة، لقد ظهر لهم الشهيد العظيم جيورجيوس سالما ومشرقا وصرخوا وارتاعوا مما رأوا. لقد أظهرت الحفرة عظمة المسيحية وقدرتها. وآمن الجنود ونادوا "عظيمٌ هو إله المسيحيين"، وكذلك فعل كثيرون من بين الجمع المحتشد حول الحفرة. وانتشر الخبر كالبرق. ووفد الناس إلى الإمبراطور يخبرونه بما حدث إلا ان الإمبراطور لم يرغب أن يصدق أو يؤمن. فقد ظن ان في الامر سحراً أو خداعاً للبصر وان المخبرين قد فقدوا عقولهم. إلا أن ضباطا سارعوا إلى الإمبراطور وأكّدوا الحدث. فذهب الإمبراطور بنفسه إلى مكان الحادث ترافقه الملكة أليكساندرا. ما رآه هناك أثار دهشته. لقد كان العظيم في الشهداء لا يزال داخل الحفرة يبرز منها رأسه هادئاً باشّاً. فأمر أن يخرجوه. وكان رغم كل ما حدث سليماً لم يصب بأذى. كان الجمع صامتاً هادئاً أمام الحضور الإمبراطوري وكان حزن ذيوكليتيانوس عميقا وظاهراً فلم يرد أحد ان يزيد من إزعاجه ولو بهمسة صغيرة. وعندما رجع إلى نفسه سأل القديس "من خلّص حياتك؟" فأجابه القديس "إنك ولو سمعت فسوف لن تؤمن، فما جدوى إجابتي؟ ومع هذا فليكن معلوماً لديك أيها الملك، أن يسوع ابن الله هو يحيطني وجميع المؤمنين بأجنحة غير منظورة ويحفظنا من كل أذى".

لم تُجدِ الإجابة نفعاً، فذيوكليتيانوس هو من أولئك اللذين يتكلم عنهم الكتاب المقدس أن لهم عيون لكنهم لا يرون ولم آذان لكنهم لا يسمعون.

إنّ آخر التعذيبات كان إجبار القديس على الركض بأحذية حديدية أُعِدَّت له. واضطرب جيورجيوس بشدة لدى سماعه ذلك. خاف للحظة، فلعلَه يخضع في هذه التجربة، وغطَّت دموع مُرة وجنتيه، لكن ايمانه بالمسيح انتعش في نفسه واستعاد شجاعته وصاح "أعطني الآن أيضاً المعونة والقوة يا رب، لكي لا يهزء العدو ويقول أنه أقوى منك". وكان أن قطع المسافة كأنه في نزهة بسيطة مغرمة. وأعادوا الكرًّة أمام الملك وحينما كرر القديس نداءاته المسيحية صدر أمر بجلده بقساوة ووحشية. وقد أثار هذا الصبر الذي لا يتحمله انسان الجمع فتراجع أمامه الجلادون. دهش ذيوكليتيانوس، وحُطًّ من كبريائه لما شاهده من بطولة القديس وقال له "إلى متى ستبقى تظهر كرامتك الباطلة، حارماً بهذه الطريقة نفسك من الخيرات الوافرة وجالباً الشرور الكثيرة على رأسك بسبب عنادك وعدم طاعتتك؟" وأجاب الشهيد " أتمنى أيها الملك أن تثقوا بي وتعبدوا الهنا الواحد نحن المسيحيين، الهنا الحي والمانح الحياة". وأطرق الملك صامتاً ومفكرأ كيف يمكن أن يضع حدّاً نهائياً للقضاء على هذا القديس المتمرد.

واستأذن أحد الضباط المدعوا مغننديوس من الامبراطور وتوجه الى القديس جيورجيوس وقال له "إن كنت تريدنا ان نؤمن بالهك فاعمل عملاً يُعطي دليلاً لا يقبل الشك على حقيقة ايمانك". ودلّه على بعض الموتى بالقرب منه اللذين كانوا قد قتلوا في نفس اليوم لأنهم لم ينكروا المسيح. وأضاف مغننديوس قائلاً "أتريد أن نؤمن بمسيحك؟ ها هي الواسطة. أقم أحد هؤلاء الموتى. فإذا كنت تستطيع تحقيق ذلك فسوف لا نجد بعدها أية صعوبة في اعتناق ايمانك". قال هذا مغننديوس ساخراً من القديس جيورجيوس لأنه كان يعتقد أن ليس باستطاعته أن يفعل ذلك. لكن القديس دون أن يُعطي أي جواب ثنى رُكبه ومكث لفترة ساجداً بخشوع للعظمة الالهية متوجهاً اليها لتسمع طلبته و تُخجل جماعة الخطأة ولا يبقى لهم سبباً لجحودهم. وبعد ذلك قام رافعاً عينيه وأعاد طلبته أكثر شدة وبنفس مليئة بالإيمان حاوية قلباً من قوة الله المطلقة. وكل شيء مستطاع للمؤمن. وبينما كان يُصعِد طلبته نحو السماء أخذ وجهه يُشرق ويُضيء من وحي الإلهام بأن العجيبة ستتحقق. وفي الحقيقة ذهب إلى أحد الموتى ورسم إشارة الصليب وصرخ "باسم الرب يسوع المسيح، خذ الحياة وقُم". وعندما سمع الامبراطور هذه الكلمات جمد في مكانه وهزَّت قشعريرة الموت مغننديوس وكذلك بقية عُبًّاد الوثن. أولئك اللذين ظنوا أن عجيبة إقامة الموتى مستحيلة. لقد خسروا شجاعتهم وجللهم وشاح الموت. لقد تملك الخوف من نفوسهم وهم ينظرون إلى الميت يقوم حياً.

وسارع رجال الجيش والشعب أمام هذا المنظر ونادوا أنهم منذ تلك الساعة مسيحييون. أما مغننديوس الذي خاب ظنه لم يقل شيئاً، ولم يستطع الامبراطور إنكار هذا الحادث الرهيب بل حاول أن ينسبه إلى السحر والشعوذة وأصرّ على أن القديس ساحر. وكان بين الجمع المحتشد رجل يُدعى أثناسيوس، مشهوراً بأعماله السحرية، فأمره الامبراطور أن يتقدم ويقوم بأعجب أعمال فنه وقوته وسحره. فتأثر الساحر من صلاة القديس التي دخلت إلى أعماقه وفهم وأدرك أن في ذلك المسيحيي قوة عجيبة حقيقية تجترح العجائب وتنبع من الله. وقد نمت في قلبه هذه الفكرة وأثمرت بسرعة وتقدم بثبات ليعلن إيمانه بالمسيح أمام الامبراطور.

تبع ذلك أحكام جديدة وقُتل كثيرون. لكن هؤلاء الشهداء الجدد سلكوا كمن سبقوهم، قبلوا عن رغبة الموت بالسيف، منادين ومجاهرين بإيمانهم بيسوع المخلص. اما جيورجيوس فقد نقل إلى السجن مرة أخرى تنفيذاً لأمر الامبراطور. إن تلك السلسلة من العجائب التي صنعها القديس جيورجيوس أدت إلى تأثير عظيم في الجموع، لا في جموع المسيحيين فحسب بل في الوثنيين أيضاً. فأتوا إلى السجن وتزاحموا ليسمحوا لهم برؤية القديس. وعلم الامبراطور بما يحدث فأمر بأن يحظر على الشعب في نيقوميذية الاقتراب من السجن. لكن رغبتهم كانت جامحة وهجومهم لا يمكن صده. فنصح مغننديوس الامبراطور ذيوكليتيانوس أن يدعو جيورجيوس مرة اخرى لقبول الوعود السخية والخيرات الأرضية الوافرة ويفرج عنه إن هو قدّم الذبائح إلى الآلهة. ولم يقل القديس بأنه يرضى أن يذبح للآلهة بل قال ببساطة أنه يقبل بأن يذهب إلى معبد الأوثان، إلّا أن الملك وحاشيته فسّروا كلام القديس قبولاً بالمغريات التي عُرضت عليه ورجوعاً عن إيمانه المسيحي. وشاع الخبر بسرعة في نيقوميذية كلها ان جيورجيوس الضابط في الحرس الامبراطوري قد أنكر مسيحيته وسيقدم الذبيحة للإله أبولون.

في اليوم التالي غص المعبد من وجهاء القوم وسكان المدينة وفي مقدمتهم الضباط الرسميون وقد حضر الملك ايضاً وعلامات البِشر والسرور ترتسم على محياه. وحضرة أيضاً الكهنة الوثنيون. كان الكانون موقداً وجُهّزت الضحايا وكان جيورجيوس قريباً منها. وعمّت الفرحة نفوس الوثنيين عندما اقترب من تمثال أبولون. وسادت لحظة من الصمت لم تكن تُسمع منها أية همسة، بدأ خلالها القلق يُسيطر على الامبراطور وتبدلت هيئته، وخانه الشك، فلعلّل الشاب الجريء يعود إلى فكرته القديمة ويكذب الآمال الشائعة. أما جيورجيوس فقد وقف اسفل الصنم. ماذا سيفعل؟ تلك اللحظات بدت للوثنيين كأنها دهر كامل. نظر إلى الصنم وسأله" هل أنت إله؟ وإليك يجب أن يسجد الناس؟" وسُمع صوت عظيم" لست أنا إلهاً، ولا أولئك الأرواح التي معي في المعبد، واحد هو الإله الحقيقي أنه يسوع المسيح". وصُعق الامبراطور وكان يترقب النهاية بفارغ الصبر. وبعدها نظر القديس جيورجيوس مرة أخرى إلى الصنم مشيراً إلى الأرواح غير المنظورة وقال" بما أنكم لستم آلهة فلماذا تخدعون الناس وتجعلونهم يُخطئون باعتقادهم أنكم آلهة؟" وهنا رفع القديس صوته قائلاً "كيف إذا تتجرأون وتبقون ههنا حيث أنا حاضر الآن انا عبد المسيح والكارز به؟" ورسم الشهيد علامة الصليب. فسمع الحاضرون ضجة وجلبةً وعويلاً من المعبد، فقد كانت دلائل حسية على أن  الأرواح الشريرة قد هربت مذعورة. كان غضب الملك وألمه لما شاهده لا يوصفان. وتوجّه إلى الشهيد بنظرة حادة مجرمة وقال "أبهذا ايها الشاب المعتوه وعدت بأنك ستحترم الآلهة المُخلِّصة؟ أهذه هي تقواك التي بها أردت أن تحييهم؟ في الحقيقة يجب أن تكون معتوهاً حتى تصل بك الوقاحة ان تفعل أفعالك الشقية. لكن عقاباً صارماً ينتظرك فالآلهة المعظمون لن يدعوك تستهزئ بهم وسيتحول فرحك إلى حزن في اللحظة المناسبة، فأنت مخدوع إن كنت تظن أن لا نهاية لشقاوتك وسحرك". أما القديس جيورجيوس فلم يفقد شجاعته وقال "أنا ايها الملك أثبت لك ما ناديت به منذ البدء ومن حقي أن أعبد الله وأقدِّم نفسي له ذبيحة حية مرضية. ألا تريدون أن تصدقوا؟ إن ما حدث يبين لكم أن آلهتكم كاذبة وليس لها قيمة. لماذا تهددني إذاً؟ تُخطئ أيها الملك إذ تظن أني رجوت إلهي ليبقيني على قيد الحياة لأني أخاف الموت، إني أردت ورجوت إلهي أن يظهر قوته بسلسلة من العجائب حتى يفضح كبرياء وثنيتكم ولتتوارد نفوس اخرى إلى حياة كنيسة المسيح. ولقد رأيت بأم عينك أني ربحت ضباطك وجنودك وحتى زوجتك اليكسندرا إلى صليب المسيح، كثيرون تحرروا من ظلمة افكارك الخاطئة واهتدوا إلى نور حقيقتنا، وقد اعتلافت منذ برهة آلهتك الكاذبة ببطلانهم وخرجوا من هذا المعبد. ماذا تريدمني الآن ايها الملك؟ أن تقودني إلى الموت؟ ها أنا اسارع إليه. لقد خدمت المسيح بحياتي وجهاداتي وعذاباتي واخدمه ايضاً اذ يشاء بدمي. إن راسي سيسقط أما نفسي فستحيا وسيحيا ايضا إيماني وكنيستي. واما أنت أيها الملك فاحذر. إنك ستمضي وستبقى ذكراك ملطخة بالدماء التي أهرقتها، وستسحق آلهتك كلها وستباد كالدخان. وحاول ذيوكليتيانوس مرارا عديدة أثناء كلام القديس أن يسكته ويرسله إلى الذبح، إلّا أن قوة عليّة شلّت حركته وهدّأته حتى انهى القديس كلامه. فأصدر أمراً باعدام الشهيد بحد السيف. فأخذه الجنود الجلادون إلى مكان تنفيذ الحكم. ورجاهم أن يسمحوا له في لحظته الاخيرة أن يصلّي فسمحوا له ورفع نظره نحو السماء وقال "يا ربي وإلهي أناديك من أعماق قلبي، يا من دعوتني إذ كنت في بطن أمي، يا من رجوت فاعطني الصبر والشجاعة في الجهاد انت أملي العذب، أنت العهد الصادق والمحبة اللامتناهية للنفوس الطاهرة، أنت الآب العطوف الذي يستجيب لرغبات قلوبنا قبل أن نرسلها لك، أنت إلهي وملكي، قوّني حتى النهاية في هذا الجهاد الذي أعانيه من أجل مجدك وكلمتك. إقبل نفسي ورتبها بين اولئك الذين ارضوك". وبعدها نظر إلى الجنود وإلى جموع الوثنيين وصرخ "إغفر لهذا الشعب يا رب على كل ما فعلوه بي عن جهل واهلهم ليعرفوك وليصبحوا مستحقين لك لأنك المبارك إلى الأبد".

بعد هذه الصلاة احنى العظيم في الشهداء ركبته وسلّم رقبته إلى الجلاد. وقد تعجّب الجمع في تلك اللحظة من شجاعة القديس وهدوئه. وسقط ذاك الرأس المقدس مضرجاً بالدماء وذهبت نفسه إلى حيث الخلود والراحة الأبدية. وبقيت ذكرى القديس اللابس الظفر حية وضّاءة. وكان موته معجزة احصيت مع سابقاتها، واسم القديس لا يبارح أبداً قلوب المسيحيين. وقد نظمت الكنيسة المقدسة النشائد والمدائح الجميلة تعدد بها مآثر الشهيد وأعماله الباهرة، فتصفه بالأسد العظيم والكوكب الكلي الضياء والحجر العقلي الالماسي الصلابة، وجندي المسيح اللابس درع المسيح، داود الشاب، والمتحدث مع جنود السماء.

والكنيسة المقدسة التي تحتفل بعيد العظيم في الشهداء جيوجيوس اللابس الظفر تدعوا الأرض والسموات لتشارك بالفرح وترنم :"إن قبائل الأمم كافة يسبحون الآن ويباركون وينشدون ويهتفون باتفاق الأصوات قائلين: افرح ايها المخلص يا فرح المؤمنين، افرح انت ايضاً يا جيورجيوس الفائق العجب يا شرف اللابسي الجهاد".

 

إعداد أستاذ التربية المسيحية "جورج بنوره"